 |
|
الدكتور حماسة أثناء الحوار |
في
خضم هذه المعركة الثقافية الأدبية
التي دارت حول اللغة العربية ووسائل
تطويرها، وبعض الأصوات التي ظهرت في
الآونة الأخيرة -وخصوصا وتحديدا كتاب
"لتحيا اللغة العربية يسقط سيبويه"
لمؤلفه شريف الشوباشي- وردود الأفعال
المتباينة والمتنوعة، وإن كانت في
مجملها نظرية، حول هذه الظاهرة كان هذا
الحوار مع أحد أعضاء مجمع اللغة
العربية وهو الدكتور محمد حماسة عبد
اللطيف الأستاذ بقسم النحو والصرف
والعروض بكلية دار العلوم جامعة
القاهرة...
*
بين الحين والحين تعلو أصوات وتظهر
كتابات تطالب بالتجديد والتطوير -كما
يقولون- في علوم اللغة العربية وآليات
تعلُّمها وتعليمها.. فهل لذلك دلالة
واضحة تفسر تكرار حدوث هذه الظاهرة في
وجهة نظركم؟!
**
منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل
القرن العشرين بدأت المحاولات التي
تدعو إلى تيسير اللغة العربية، وإلى
إعادة النظر في قواعدها وفي صرفها،
وإلى محاولة تقديمها للباحثين
والدارسين، إلى غير ذلك، كما أن هناك
دعوات تدعو إلى هجر اللغة العربية كلية
والاهتمام بالعامية ومحاولة فرضها
والاعتماد عليها. ولعل هذه الظاهرة
وبدء تاريخها تشير إلى أن هناك مشكلة
أصبحت ملحة؟ فإذا نظرنا إلى أواخر
القرن الـ19، وأوائل القرن الـ20 وجدنا
أن الاستعمار الإنجليزي كان مسيطرا
على مصر وكان يحاول إماتة اللغة
العربية، وفرض تعليم الإنجليزية، وقد
حدث هذا فترة طويلة، حتى يقضي على
اللغة العربية وعلى ما تمثله، وهو أنها
لغة الدين الإسلامي.
هم
لم يستطيعوا أن يهاجموا الدين مباشرة
فهاجموا اللغة العربية لأنها وعاء هذا
الدين.
أما
أن يكون هناك دعوات إلى تطوير دراسة
اللغة وتجديد الأساليب التي تقدم بها
اللغة في حد ذاتها، فهذا أمر مقبول ولا
يمكن الاعتراض عليه، إذا كان يسير في
الطريق الصحيح.
*
تباينت ردود الأفعال على كتاب
الشوباشي، بين ناقد ومفند، حتى صدر
مؤخرا كتاب "دموع الشوباشي بين يدي
سيبويه "لمؤلفه د. محمد داود،
الأستاذ بجامعة السويس" لكنها – أي
هذه الردود – لم تتعد الجانب النظري من
مقالات أو تحقيقات أو حتى ندوات.. فهل
هناك إجراء عملي ثم الاتفاق عليه
والشروع في تنفيذه من قبل مجمع اللغة
العربية لتفادي سلبيات هذه الظاهرة؟
**
كتاب الشوباشي صغير الحجم أثار ضجة
أكبر منه، ولعل هذه الضجة مبعثها راجع
إلى الاهتمام بالقضية نفسها، وهذه
علامة حسنة طيبة ومبشرة، ولعل بعضها
راجع إلى المؤلف نفسه، وموقعه في وزارة
الثقافة، والأغراض تختلف والأهواء
تتباين، ولكننا لا نهتم بالنوايا
وإنما نهتم بالوقائع الموجودة. الواقع
الذي أمامنا الآن كتاب صغير في حجمه
مثير في عنوانه ومثير في بعض قضاياه.
ولو نحينا الأهداف الشخصية الغير
المعلنة ونظرنا في الكتاب نفسه وجدنا
أنه يتضمن عددا من الأفكار والتي نتفق
عليها والتي لا نخالفه فيها، ووجدنا
عددا من الأفكار نستطيع أن نناقشه
فيها، وأنا في كل الحالات أظن أنه
مجتهد، ولعل الاجتهاد إذا أصاب صاحبه
فإنه له أجرين وإذا أخطأ فإن له أجرا،
هو قد أصاب في بعض الأمور وأخطأ في
بعضها الآخر، ولعل الخطأ فيه آت من
العنوان اللافت للنظر: "يسقط سيبويه"!!
سيبويه شخص دارس عالم من العلماء الذين
لهم فضل على اللغة العربية في أنهم
وصفوها وحددوا ملامحها التركيبية في
القواعد المسماة بالنحو والصرف،
واجتهاده هذا شيء طيب أثر تأثيرا كبيرا
في خدمة اللغة العربية، وكل لغة من
اللغات لها قواعدها، ولا يمكن بحال من
الأحوال أن تكون هناك لغة بغير قواعد.
فإذا كان المقصود بسيبويه شخص سيبويه
فليسقط أو ينجح لا يعنينا، ولكنه لا
يعني سيبويه الشخص؛ لأن سيبويه الشخص
مات منذ سنة 180هـ، فسقوطه من الحياة قد
تم بالفعل لكن ذكره باق في عمله القيم
ذي النفع الكبير.
ومن
هنا فإن ما يعنيه المؤلف بسقوط سيبويه
هو ما يمثله، وسيبويه يمثل القواعد –
قواعد اللغة – وقد نجح سيبويه في وصف
اللغة وصفا صحيحا، والجهد الذي في
كتابه ليس جهده وحده، وإنما هو جهده
وجهد أساتذته وزملائه الذين سبقوه
وعاصروه وقد أشار إلى هذا، ونسب كل رأي
إلى صاحبه فما معنى أن تسقط قواعد
اللغة العربية التي يمثلها سيبويه؟!
هذه دعوة مثيرة وهي تحمل في ثناياها
خطأ كبير، هذا ما لا نوافق المؤلف عليه.
هناك
كثير من الأفكار التي تدور حول هذا
الجانب، حيث يدعو المؤلف إلى تطوير
اللغة العربية وجعلها مناسبة للعصر –
كما يقول – يدعو إلى عدم نصب المفعول
به، ويقارن بين جملتين: جملة تقول: "رأيت
محمدًا يأكل خبزًا" وأخرى تقول: "رأيت
محمد يأكل خبز".
ويقول
إن الجملة الثانية أسهل من الأولى لعدم
تنوين كلمتي محمد وخبر، وهو يقصد
بالتنوين هنا النصب؛ لأن الكلمة قد
تكون منونة وهي منصوبة أو مرفوعة أو
مجرورة، وهذه عبارة تكشف عن أن المؤلف
ليس متخصصا وليس عارفا بالمصطلحات
المستخدمة في هذا المجال. ومما يدعو
إلى أيضا إسقاط المثنى، واعتبار
الكلام إما بالإفراد وإما بالجمع،
وهذا أيضا شيء لا يوافق عليه.
ومن
ذلك أيضا دعوته على حذف نون النسوة..
إلخ، هذا كلام ينبغي ألا يقال مثله؛
لأن اللغات بخصائصها وقواعدها وطرق
تركيبها لا يستطيع شخص مهما أوتى من
القوة أن يصدر قرارا بحذف كذا أو
بإضافة كذا، اللغات تصدر عن أصحابها
تلقائيا، وحتى لو كان هناك خطأ ويشيع
هذا الخطأ على ألسنة الناس فإنه يأخذ
قوة واستمرارا بسبب استعمال الناس له.
فاستعمال المتكلمين للغة هو الذي
يعطيها المشروعية. وليست اللغة من حق
فرد أو هيئة أو جماعة. ومجمع اللغة
العربية هنا مؤسسة بحثية دراسية تنظر
في وصف اللغة ومحاولة تيسيرها في بعض
الأحيان ومحاولة خدمتها في جوانب شتى؛
لأن اللغة ليست قواعد فحسب، هناك أمور
كثيرة تخدم اللغة في معاجمها المتخصصة
وفي النظر إلى أساليبها وتراكيبها إلى
غير ذلك، والمجمع يقوم بذلك في صمت
وهدوء وموضوعية. والمجمع لا يملك قوة
تنفيذية، فلا يستطيع أن يأمر الناس
بكذا، وليس من حق أحد أن يأمر الناس أن
يستخدموا المثنى مثلا بالألف، أو أن
يستخدموا الجمع والمفرد فقط بدلا من
الجمع والمثنى والمفرد. فاللغة من حق
المتكلمين بها جميعا.
كما
أن اللغة نفسها تعد رابطا قويا بين
العرب جميعا من جانب، وبين العرب
المعاصرين وتاريخهم الطويل الممتد من
جانب آخر، الذي يرجع إلى 1700 سنة
تقريبا، هذا التاريخ الطويل إذا غيرنا
اللغة الآن فكيف نقرأ اللغة التي كتبت
في القرن الماضي أو الذي قبله.. إلخ،
كيف نقرأ القرآن الكريم والأحاديث
النبوية الشريفة وهي أس الدين وعماده،
فالذي يدعو إلى تغيير اللغة أو هدم جزء
منها، فإنما يدعو إلى أمرين في الوقت
نفسه:
-
يدعو إلى القطيعة الكاملة بين العرب،
-
كما أنه يدعو إلى القطيعة المعرفية
الموصولة بين التاريخ المعاصر
والتاريخ الممتد في الزمن البعيد.
*
قضية التعريب – تعريب العلوم – تعد من
القضايا دائمة الطرح في الآونة
الأخيرة نظرًا لكون العرب الآن تابعين
لا سابقين، لكنها - أي قضية التعريب - لا
يزال يعتورها شوائب ومعوقات كثيرة..
فهل هناك من جديد لدى مجمع اللغة
العربية في مجال تفعيل هذه القضية
وتقليل السلبيات الناشئة عنها؟ (مثل
تأخير التعريب مثلاً أو عدم موائمة
المصطلح وقبوله لدى المستخدمين؟!).
**
لعل من الملاحظ الآن أن الحضارة
الحديثة التي نستمتع بنتاجها ونتعامل
مع معطياتها ليس للعرب فيها دور كبير
أو صغير إلا الاستهلاك فحسب، فنحن أمة
مستهلكة للمبتكرات الحديثة، نحن
نستمتع بالمكيف والسيارة والثلاجة،
وكل ما يمكن أن تقع عليه أعيننا من
حولنا، لكننا ليس لنا فيه دور. إذن هذه
المبتكرات التي يستمتع بها العرب وغير
العرب ليست من صنع العرب، ولو كانت
للعرب في هذه المبتكرات مشاركة لكانت
هذه الأشياء مسماة بأسماء عربية، ولكن
مع الأسف الشديد، هذه المبتكرات تابعة
لمبتكريها وللغة التي ابتكرها بها
أصحابها، ونحن نلهث وراءهم ونجري
خلفهم من أجل أن نستخدم ما أنتجوا
ونستمتع بما أبدعوا، ونعود بعد ذلك
فنقول: التعريب.. عندما نتكلم عن
التعريب – أو جعل المصطلح عربيًا، أو
تحويل الكلمة من مجالها الذي وجدت فيه
إلى المجال العربي – فإن لهذا التعريب
أصولا وقواعد، وقد كانت هناك كلمات
كثيرة من غير العربية دخلت العربية من
قديم، من البلاد المجاورة – من الفرس
مثلاً – وهناك ألفاظ فارسية طبقت
عليها الموازين العربية أو القواعد
العربية فأصبحت الكلمات معربة، وفي
القرآن الكريم نفسه كثير من الألفاظ
التي عُربت، وهناك "المعرَّب"
للجواليقي، وهناك كتب أخرى تتناول هذه
القضية.. قضية التعريب في عصرنا الحاضر
تكشف بوضوح عن أن العرب تابعون وليسوا
مبتكرين، وهذا من حقنا أن نعرف ما يدور
حولنا في العالم، لكن علينا ألا نكتفي
بالمعرفة فحسب بل علينا أن نتجاوز هذا
إلى المشاركة لأن المشاركة والإبداع
والإنتاج هي التي تنقلنا من دور
التابعين إلى دور المشاركين. ومن هنا
فإن ما نبتكره وما ننشئه وما ننتجه سوف
يأخذ أسماء عربية، وهذه الأسماء
العربية لو قدر لها النجاح ستفرض على
العالم كله، كما فرض علينا ما أنتجه
هذا العالم. وقضية التعريب هذه يهتم
بها المجمع - ضمن ما يهتم به - في
المصطلحات العلمية، وهناك مصطلحات
علمية كثيرة في فروع شتى، الطبيعة
والكيمياء والفلسفة والطب، وغير ذلك،
وقد أخرج المجمع معجمات كثيرة في
الصدد، تلهث حقيقة وراء المصطلح
الأجنبي لكي تقربه أو نترجمه أو لتجد
لفظًا يدل عليه أو لفظًا قريبًا منه..
إلخ.
ولكني
أقول: إن الإسهام الحقيقي في هذا
الجانب ينبغي أن يكون بقفزنا إلى
المجال الأوسع الأعمق الأجمل الأفضل
وهو: الابتكار والاختراع والمشاركة في
صنع الحضارة.
*
ما تصوركم لمستقبل اللغة العربية في ظل
الوسائل الجبارة التي تسخرها اللغات
الحية الأخرى في سبيل نشرها وهيمنتها..
وما الوسائل أو الآليات المتاحة التي
يمكن اتخاذها الآن للمحافظة على
هويتنا وثقافتنا من الضياع أو
التبعية؟
**
اللغة العربية الآن تعاني معاناة
شديدة جدًا، لا من أعداء العرب وحدهم،
ولكن من العرب أنفسهم، فنحن أمة مستلبة
نكاد نفقد ذاتنا وهويتنا وكل شيء يجلب
لنا الاحترام والتقدير بين الأمم، ولو
أنك سرت في شارع من شوارع القاهرة، وهي
عاصمة أكبر دولة عربية، لخالجك الشك في
أنك تسير في شارع أجنبي، وذلك لأن جميع
الإعلانات التي تقع عليها العين ليست
باللغة العربية بل ليست بالحرف العربي
أيضًا، فمعظم الإعلانات باللغة
الأجنبية وإذا كان هناك إعلان بالحرف
العربي فهو لكلمة أجنبية، مع الأسف
الشديد، معظم المحلات، حتى محلات
البقالة، والمحلات التي هي من أصل عربي
اتخذت إعلاناتها بلغة أجنبية، وهذا
يدل على أن العربي لا يحترم ما هو عربي،
وهو يحترم ما هو أجنبي، ومن هنا فإن
الخدعة الإعلانية بصبغ هذه المنتجات
بصبغة أجنبية حتى في اسمها تعد نوعا من
إغراء المشتري، هذا في الواقع دلالته
بالغة التأثير على النفس الإنسانية في
أن ما هو عربي ليس مستحقًا للاحترام.
انظر
أيضًا إلى التعليم، نحن نفاخر ونباهي
بأن لدينا أنواعًا مختلفة من التعليم،
فهناك مدارس إنجليزية وأخرى فرنسية،
وثالثة ألمانية، وهناك مع الأسف في
الجامعة كليات التجارة مثلاً: كليات
التجارة بالعربية، وبالإنجليزية
أصبحت الجامعة نفسها تقسم الدراسة بين
عربي وغير عربي، ومع الأسف الشديد غير
العربي يحظى بالاحترام والتوقير
والاهتمام والحظوة الاجتماعية
والمكانة الكبيرة بينما لا يحظى ما هو
عربي بمثل هذا؟
كيف
يتربى احترام اللغة في نفس الناس إذا
كان هذا هو الواضح؟ هذه القضية تحتاج
إلى ثورة عارمة، وإن الله يزع بالسلطان
ما لا يزع بالقرآن، وهنا نهيب بأولي
الأمر والجهات المسئولة أن تتخذ في هذا
المجال ما يعيد للغة العربية احترامها
ووقارها.
إن
قيمتنا تكمن في ثبات هويتنا وتأكيد
ذواتنا، لأننا إذا كانت لنا ذات محترمة
فباحترامنا لأنفسنا أولاً.
لكن
إذا ساعدنا الآخرين على استلاب هذه
الهوية وعلى ضياعها، فكيف يحترمنا
الآخرون؟! الإنسان لا يحترم إلا من
يحترم نفسه.
لا
بد أن نحافظ على ثقافتنا وهويتنا
ولغتنا وتراثنا وديننا، ونشارك
الآخرين في المعرفة والعلم؛ لأننا إذا
كانت لنا ثقافتنا الخاصة فسوف نستطيع
أن نستفيد من الآخرين.
لو
نظرت في أوربا مثلاً، وهي قد صارت الآن
كأنها دولة واحدة، وهي متفقة في مجال
الاقتصاد، مثلا، لكن في مجال الهوية
لكل أمة هويتها وثقافتها، فالألماني
ألماني والفرنسي فرنسي والإنجليزي
إنجليزي، ومع ذلك فإن العلم يظهر في
إنجلترا مثلاً فيترجم في شهر أو أقل في
فرنسا، وهكذا، ويأخذون منه ما يوافقهم
ويتركون ما يتعارض معهم، ومن هنا تنمو
الثقافة الخاصة وتتأكد وترسخ الذات
وتنمو وتحترم.
*
معلوم أن هناك بعض الدول الغربية التي
سنت تشريعات وقوانين للمحافظة على
لغتها القومية ومعاقبة مع يخالف في ذلك
عند الإعلان عن سلعة مثلاً أو كتابة
أسماء المحلات والشركات إلى آخره.. فهل
في بلادنا شيء من هذا القبيل؟
**
هناك فيما أذكر قرار تقريبًا في سنة 1957
أو 1958 في عهد جمال عبد الناصر كان يحظر
على المحلات والشركات أن تضع لافتات
بلغة أجنبية، وهذا القانون موجود ولم
يلغ، نحن نريد إحياءه مرة أخرى وهذا
يعد من تأكيد احترام الذات.
*
بقيت لنا ثلاث نقاط أخيرة نجملها في
سؤال واحد، وهي:
-
حصول 300 طالب في امتحانات الثانوية
العامة على (صفر) في مادة اللغة
العربية،
-
تخفيض عدد المقبولين في كلية دار
العلوم منذ عدة سنوات،
-
وضع المدرس بصفة عامة، ومدرس اللغة
العربية بصفة خاصة وأثره على اللغة
واحترامها.. هل ترون أن هناك رابطا
معينا بين هذه الثلاثة؟!
**
أريد أن أقول إن حصول أكثر من 300 طالب
على صفر في اللغة العربية لا يعني
شيئًا، كما لا يعني شيئًا وجود آلاف
الطلاب الحاصلين على درجات عليا في
اللغة العربية. المسألة تتعلق
بالتعليم لأن الذي حصل على صفر يتكلم
باللغة العربية، لكن بالعامية، وهو
حصل على صفر في الفصحى التي يتعلمها..
نحن نتعلم اللغة العربية بوصفها لغة
أجنبية عنا، وهذه حقيقة مقررة أنا لا
أخجل منها، بل إننا إذا وضعنا الحدود
بينها وبين اللغة العامية فإن ذلك سوف
يساعد على تعلم اللغة العربية الفصحى؛
لأن الذي يتعلم اللغة الإنجليزية
مثلاً يتعلمها من أول الأمر على أنها
لغة أجنبية لا تشوش عليها لغة أخرى،
لكن عندما نتعلم الفصحى ونقول إنها
لغتنا، ولا نتكلم بها لكن نتكلم
بالعامية، وهي مختلفة في أصواتها
وقواعدها ومفرداتها اختلافًا كبيرًا،
صحيح هناك اتفاق بين بعض المفردات
والتراكيب لكن هذا لا يكفي أن يجعل
منها جزءًا من اللغة العربية الفصحى.
هي لغة استقلت عن الفصحى كما استقلت
الساميات الأخرى عن الفصحى من قبل، لها
قواعدها ولها نظامها. فينبغي إذن أن
نعلِّم اللغة العربية الفصحى
باعتبارها لغة أجنبية لكي يتبين
للطالب من أول الأمر أنه يجب أن يحرص
على تعلمها كما يحرص على تعلم أي لغة
أجنبية.
والقضية
في حقيقة الأمر ترجع إلى مستوى
التعليم، ومستوى التعليم يتناول أمرين:
المعلم من حيث إعداده الإعداد
الملائم، ومن حيث احترامه بأن يكون
هيئة محترمة يجلب الاحترام والتوقير
في نفس الطلاب كما يحدث بالنسبة للمواد
الأخرى.
ولكن
الواقع أنه منذ ظهور السينما
والمسلسلات وغيرها في القرن العشرين،
أظهرت معلم اللغة العربية في شكل مزرٍ
مسفٍّ من أجل إثارة الضحك.. فهل عندما
يُضحك على مثله يكون محترمًا بعد ذلك؟
وهل ما يمثله يكون محترمًا؟!
فاحترام
المعلم والارتفاع بمستواه المعيشي
وإعداده إعدادًا طيبًا هذا أس قوي من
أسس التعليم.
من
جانب آخر إذا نظرنا إلى الأعداد التي
تُقبل بالكليات المتخصصة في اللغة
العربية فهذا شيء يرجع تقديره إلى
سياسة الدولة، حيث تريد أشياء معينة قد
نعرفها أحيانًا أو لا يعرفها مثلنا من
جانب آخر، لكن على كل حال العدد القليل
الذي يدخل مثل هذه الكليات إذا أحسن
إعداده أيضًا وربي تربية صحيحة كذلك
فإنه يكون كافيًا.. "ولتكن منكم أمة
يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر..".
وهذا
أيضًا شيء مطلوب من أجل أن تظل شجرة
المعرفة وارفة مثمرة مظلة لمن يستظل
بها إن شاء الله.
|